محمد أبو زهرة
1944
زهرة التفاسير
الذهول ما غشيهم حتى صاروا كالموتى من عظم الإغماء الذي أصابهم ، وذلك لا يعارض قوله تعالى في أول سورة البقرة : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) [ البقرة ] وقال بعضهم : الصاعقة ما يصيب الإنسان من حال يترتب عليها موته أو إغماؤه إلى درجة الموت ، ومن ذلك قوله تعالى : . . . فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ( 68 ) [ الزمر ] وقد قال الراغب الأصفهاني في مفرداته . « إن الصاعقة على ثلاثة أوجه : أولها الموت كقوله تعالى : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ( 68 ) [ الزمر ] وقوله تعالى : فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ . والثاني : العذاب ، كقوله تعالى : أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) [ فصلت ] . والثالث : أن الصاعقة هي الصوت الشديد من الجو ثم يكون منه نار ، وينتهى بأن الصاعقة هي في الأصل بهذا المعنى ، ثم تكون منه الآثار فهو سبب الموت ، أو يكون إنذارا » . ولذلك نرجح التوجيه الأول الذي ذكرناه وهو تفسيرها بالنار التي تجلجل بصوت رهيب مفزع ، قد يترتب عليه الموت ، وهو في ذاته عذاب شديد ، وقد يسأل سائل : إن الصاعقة لها سبب طبيعي ، وهو احتكاك سالب بموجب ، فكيف يكون عقابا أو إنذارا ، أو معجزة ؟ ونقول إن الأسباب الطبيعية لا تمنع الإرادة الإلهية ، فالله سبحانه وتعالى سير الأكوان ، وهي تحت قدرته وإرادته ، فهو الذي يسير السحاب ، والرياح ، فإذا أراد جلت قدرته إنزال عذاب أو إنذار قوم أرسل الرياح المسخرات بأمره ، فكانت منها الصاعقة أو الرعد ، أو المطر الغزير الذي يكون غيثا ولا يكون غيثا ، وقد صرح الله سبحانه وتعالى بأنه ينزل بالأقوام من الآفات بمقدار جرمهم وذلك لا يمنع تحقق الأسباب الطبيعية فمسير الكون هو خالقه ، ومسبب الأسباب ، وكل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ، وقد قال تعالى في أهل مصر عندما أيدوا فرعون في طغيانه :